ابن عجيبة
268
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : « هؤلاء » : مبتدأ . و « الذين » : صفته ، والعائد : محذوف ، و « أغويناهم » : خبر . والكاف في « كما » : صفة لمصدر محذوف ، أي : أغويناهم غيا مثل ما غوينا ، و « لو أنهم » : جوابه محذوف ، أي : لما رأوا العذاب . يقول الحق جل جلاله : قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بالعذاب ، وثبت مقتضاه ، وهو قوله تعالى : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * « 1 » ، وهم الشياطين ، أو : أئمة الكفر : ورؤساء الكفرة : رَبَّنا هؤُلاءِ الكفرة الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ أي : دعوناهم إلى الشرك وسوّلناه لهم ، قد غووا غيا كَما مثل ما غَوَيْنا يقولون : إنا لم نغو إلا باختيارنا ، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم ؛ لأن إغواءنا لم يكن إلا وسوسة وتسويلا ، فلا فرق إذن بين غينا وغيهم ، وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء اللّه لهم إلى الإيمان ، بما وضع فيهم من أدلة العقل ، وما بعث إليهم من الرسل ، وأنزل إليهم من الكتب ، وهذا كقوله : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ . . . إلى قوله : وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ . . . « 2 » . ثم قالوا : تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم فيما اختاروه من الكفر ، ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ، بل كانوا يعبدون أهواءهم ، ويطيعون شهواتهم . فتحصّل من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم غرّوا الضعفاء ، وتبرءوا من أن يكونوا آلهتهم ، فلا تناقض . انظر ابن جزى . وإخلاء الجملتين من العاطف ؛ لكونهما مقررتين للجملة الأولى . وَقِيلَ للمشركين : ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي : الأصنام « 3 » ؛ لتخلصكم من العذاب ، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ، فلم يجيبوهم ؛ لعجزهم عن الإجابة والنصرة . وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ لمّا رأوا ذلك العذاب ، وقيل : « لو » ؛ للتمنى ، أي : تمنوا أنهم كانوا يهتدون . وَ اذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ الذي أرسلوا إليكم ؟ أي : بماذا أجبتموهم ؟ وهو أعلم بهم . حكى ، أولا ، ما يوبخهم به ؛ من اتخاذهم له شركاء ، ثم ما تقوله الشياطين ، أو : أئمة الكفر عند توبيخهم ؛ لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين ، أو الرؤساء ، استغووهم ، ثم ما يشبه الشماتة بهم ؛ لاستغاثتهم بآلهتهم وعجزهم عن نصرتهم . ، ثم ما يبكّتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل . قال تعالى : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ ؛ خفيت عليهم الحجج أو الأخبار . وقيل : خفى عليهم الجواب ، فلم يدروا بماذا يجيبون ؛ إذ لم يكن عندهم جواب .
--> ( 1 ) الآية 119 من سورة هود . ( 2 ) من الآية 22 من سورة إبراهيم . ( 3 ) وكذلك كل ما أشرك مع اللّه .